حينما يشعر الناس بمشاعر غير سارة، ويعانون من الاحتراق النفسي بشكل مكثف، فإنهم يواجهون ضعفًا في الصحة العامة، ويقعون تحت وطأة عدم القدرة على الأداء الذي تعودوا عليه، وهذه المشاعر أحد الأسباب في انخفاض رضاهم عن أنفسهم.
ليس من الغريب أن يتجنب الناس وقت أداء العمل مشاعرهم السلبية، أو لا يذهبون إليه من الأساس. أحيانًا يمكن التحكم في المشاعر السلبية المزعجة، والتقليل من حدتها أو تجنبها، بعدة طرق وواحدة منها هي "إعادة التقييم المعرفي".
إعادة صياغة أو إعادة تفكير في الموقف المثير بطريقة إيجابية. الذين يستخدمون هذه الطريقة عادة ما يستفيدون من تأثير أقل سلباً وأكثر إيجاباً، ويعانون من أعراض انهباط أقل، وأكثر تفاؤلا، ويتمتعون بتقدير عالٍ للذات، ويتعاملون مع التوتر بشكل أفضل، ويشعرون بقدر أكبر من الرضا عن الحياة. (تروي وآخرون 2010).
ماذا تعني العواطف؟
العواطف توجه السلوك المناسب، وتساعد على الانخراط في السلوكيات المناسبة للموقف.
لكن ليست لتقنية "إعادة التقييم" الفعالية الكبيرة دائمًا، مشاعر الحزن -على سبيل المثال- قد تدفع الإنسان بقدر أكبر إلى المثابرة ولكن إعادة التقييم قد لا تُلزِم بأداء المهام.
الخوف قد يحفز على فعل سلوكيات الحذر بشكل أكبر من الطبيعي، من ارتكاب الأخطاء، من الأشخاص الذين يستخدمون إعادة التقييم.. فهم أقل حذرًا.
فهم الإرهاق الوظيفي
يشتهر الذين يبدئون عملًا جديدًا أو فتح مشروع خاص، بالحماس والتفاني والالتزام في الفترة الأولى.
هذه الظاهرة ليست نادرة، بل تجربة وظيفية شائعة ومنتشرة، وتعبر عن خلل وفجوة في علاقة الإنسان بعمله.
أصبح الإرهاق أو الاحتراق الوظيفي وسيلة للتعبير عن المعاناة الشخصية الناجمة عن ضغوط مستمرة من العمل وأنها تُحدث تآكل نفسي مع مرور الوقت.
هذا الإرهاق يأتي نتيجة استجابة طويلة الأمد للضغوطات الشخصية في العمل، وتتمثل في عدم الفعالية، وعدم تحقيق انجاز، وعدم الامتزاج مع الوظيفة والزملاء. بناءًا عليه، يحدث انفصال وإرهاق شديد!
إنها استنفاد لمشاعر نفسية وطاقة جسدية، يُستنزف من خلالها الإنسان، دون مصدر لتجديد هذه الطاقة. إنه يصل لمرحلة أنه لا يستطيع مواجهة يوم أخر أو مشكلة أُخرى في العمل. يفتر تمامًا وتظهر على هيئة شكوى من قبيل (أنا مرهق ومُثقل بالأعباء والمسؤوليات، أتحمل أكثر مما ينبغي). وهذا نتيجة العمل الزائد والصراع الشخصي في العمل.
يمثل التشاؤم أحد الأسباب الرئيسية للاحتراق النفسي، وهي استجابة سلبية قاسية، تتطور وتزداد مع مرور الوقت.
قد تسخر في البداية من عزل نفسك بسبب الاحتراق، لكن لن تطول المدة وستنفصل، فالعمل بجهد زائد والقيام بالكثير يجعل التراجع سريعًا، ويقلل من الجهد المبذول.
بمرور الوقت لن تكتفي بخلق حاجز وتقليص كمية العمل فحسب. بل يتحول البذل إلى محاولة السعي للقيام بالحد الأدنى من العمل، ويمكن أن تصل إلى (كيف يمكن أن أنتهي من عمل اليوم، والحصول على الراتب، والخروج من هنا؟).
الإنسان المتشائم من عمله يقلل الوقت الذي يقضيه في مكان العمل، ومقدار الطاقة التي يستنفدها للعمل. هو يعمل، لكن بالحد الأدنى. بالتالي تنخفض جودة الأداء.
عدم الكفاءة
إنها عنصر من التقييم الذاتي للإرهاق، وهو شعور بقلة الإنجاز والإنتاجية، ويتفاقم بسبب نقص الدعم الاجتماعي وفرص التطوير والتطور المهني، وتصيد الأخطاء، ليصل إلى أن يسأل نفسه (ماذا أفعل؟ لماذا أنا هنا؟ ربما هذه الوظيفة ليست مناسبة لي!).
هذا الشعور بعدم الكفاءة يجعل الشخص المنهمك يشعر بأنه ارتكب خطأ في اختيار مساره المهني، ليصل في النهاية إلى النظر بسلبية تجاه نفسه والآخرين.
هذا التراكم المستمر، والتآكل النفسي، مع بيئة عمل أو زملاء مثبطين للهمة، ليس فقط يهدم ويرمي بهم للهاوية، هذا يؤثر على صحتهم النفسية والاجتماعية والجسدية في آن واحد، في ذات الوقت بالسلب.
لذا إن كنت في وضع يكون فيه لديك مدير منفتح ومتفهم، فعليك بدء محادثة ومشاركة ما تشعر به، الشعور بأنك لا تفعل ما يكفي، سيبقيك تحت ضغط مستمر، ويؤثر على ادائك وصحتك، قدم الحقائق إلى الطاولة، وصِف ما يحدث بدقة، وصِف ما تشعر به مما يحدث بوضوح، واقترح حلًا.
أما إذا كنت في وضع فيه مدير جامد وعنده صمم لطلباتك، فقد حان الوقت لوضع الحدود. قد يكون هذا هو الشيء الأكثر تحدياً الذي يجب القيام به، سوف يستغرق بعض التأمل.
بعض الإرشادات التي قد تفيدك
إليك بعض النصائح التي عليك اتباعها لتتفادى الاحتراق النفسي:
- تعلم تقنيات بسيطة في التواصل حيث تمكنك من أن تدافع عن حقيقتك دون أن يكون بأسلوب دفاعي أو هجومي.
- استعد لرد الفعل عندما تبدأ في وضع حدودك.
- ضع حدودًا للمهام التي تُطلب منك، وكن بناءًا وواقعيًا بشأن ما يمكنك تحقيقه، وتقبل ما تصنعه وارضَ عن تقدمك.
- لا تسمح بأن تكون مشتتًا، فمعرفة وظيفتك ومهامك بالتحديد هي من المسلَّمات.
- قابل إجهاد الآخرين على أنه إجهادُ الآخرين، وافهم ما يشعرون به ولكن لا تشعر بما يفكرون به.
انتبه وتذكر!
إذا لم تتغير وتتطور فلن يتغير شيء، وفي لمح البصر ستجد نفسك بعد بضع سنين "محلك سر".
عندما تتخذ إجراءات شجاعة، فإنك تواجه مخاوفك وتدرك إمكاناتك الكاملة وتستطيع وضع بصمتك والتأثير الذي من المفترض أن تُحدثه في هذه الحياة.
بقلم: عبد العزيز أحمد.
